ابن ميمون
186
دلالة الحائرين
وهذه المقدمات الفلسفية التي اقتضبها لك للبرهان على هذه الثلاثة مطالب ، اعني وجود الإله ووحدانيته ونفى التجسيم . أكثرها مقدمات يحصل لك بها اليقين من أول سماعها ، وفهم معناها وبعضها هو يدلّك على مواضع براهينها من الكتب الطبيعية . أو ما بعد الطبيعة ، فتقصد موضعه وتصحح ما عساه ان يحتاج لتصحيح ، وقد أعلمتك أن ليس ثم غير اللّه تعالى . وهذا الموجود ولا استدلال عليه تعالى إلا من هذا الموجود من جملته ، ومن تفاصيله ، فيلزم ضرورة ان يعتبر هذا الموجود على ما هو عليه ، وتتخذ المقدمات مما يشاهد من طبيعته فلذلك يلزم أن تعرف صورته وطبيعته المشاهدة وحينئذ يمكن ان يستدلّ منه على ما سواه ، فلذلك رأيت أنه ينبغي أولا أن آتى بفصل أشرح لك جملة الوجود على جهة الإخبار بما قد تبرهن وصحّ صحة لا شك فيها وبعد ذلك آتيك بفصول أخرى أذكر فيها مقدمات المتكلمين وأبيّن طرقهم التي يبيّنون بها تلك المطالب الأربعة ، وبعد ذلك آتيك بفصول أخرى أبيّن لك فيها / مقدمات الفلسفة وطرق استدلالاتهم على تلك المطالب ، وبعد ذلك ألخّص لك الطريق التي أذهب إليها كما أخبرتك في هذه الأربعة مطالب . فصل عب [ 72 ] [ في : البحث عن طبيعة الوجود ، وموضح الانسان في الكون ] اعلم أن هذا الموجود بجملته ، هو شخص واحد لا غير ، أعنى كرة الفلك الأقصى بكل ما فيها ، هي شخص واحد بلا شك بمنزلة زيد وعمر في الشخصية ، واختلاف جواهرها ، أعنى جواهر هذه الكرة بكل ما فيها كاختلاف جواهر أعضاء شخص الإنسان مثلا فكما أن زيدا مثلا ، هو شخص واحد ، وهو مؤلف من أعضاء مختلفة كاللحم « 2057 » والعظم ومن أخلاط مختلفة ، ومن أرواح . كذلك هذه الكرة بجملتها مؤلفة من الأفلاك ومن الأسطقسات الأربعة ، وما تركّب منها . ولا خلاء فيها أصلا ، إلا مصمتة مملوءة مركزها كرة
--> ( 2057 ) كاللحم : ت ، كالحس : ن